محمد حسين هيكل
279
حياة محمد ( ص )
لها من أجل ذلك منزل بجوار المسجد كما كان لأزواج النبيّ أمهات المؤمنين ، بل أنزلها محمد بالعالية من ضواحي المدينة ، في المحلّ الذي يقال له الآن مشربة أم إبراهيم ، بمنزل تحيط به كروم ؛ وكان يختلف إليها فيه كما يزور الرجل ملك يمينه . وكان قد اختارها حين أهداها المقوقس إليه مع أختها سيرين ، وجعل سيرين لحسان بن ثابت . ولم يكن محمد يرجو أن يعقب بعد أن ظلت أزواجه جميعا من بعد وفاة خديجة ومنهن الفتاة الفتية ، ومنهن النّصف التي أعقبت من قبل لم تبشّر إحداهن بخصب عشرة أعوام متتابعة . فلما حملت مارية ثم ولدت إبراهيم ، وقد تخطّى هو إلى الستين . فاضت بالمسرّة نفسه ، وامتلأ هذا القلب الإنساني الكبير أنسا وغبطة ، وارتفعت مارية بهذا الميلاد في عينه إلى مكانة سمت بها عن مقام مواليه إلى مقام أزواجه ، وزادتها إلى ذلك عنده حظوة ومنه قربا . غيرة أزواج النبي كان طبيعيّا أن يدسّ ذلك في نفوس سائر أزواجه غيرة تزايدت أضعافا بأنها أمّ إبراهيم وبأنهن جميعا لا ولد لهن . ولم تكن نظرة النبيّ إلى هذا الطفل إلا تزيد هذه الغيرة كل يوم في نفوسهن اشتعالا . فهو قد أكرم سلمى زوج أبي رافع قابلة مارية أيّما إكرام . وهو قد تصدق يوم ولد بوزن شعره ورقا على كل واحد من المساكين . وهو قد دفعه لترضعه أم سيف وجعل في حيازتها سبعا من الماعز ترضعه لبنها . وهو كان يمرّ كل يوم بدار مارية ليراه وليزداد أنسا بابتسامة الطفل البريئة الطاهرة ، ومسرّة بنموّه وجماله . أي شيء أشد من هذا كله إثارة للغيرة في نفوس أزواج لم يلدن ؟ ! وإلى أي حدّ تدفع الغيرة أولئك الأزواج ؟ حمل النبيّ إبراهيم يوما بين ذراعيه إلى عائشة وهو فياض بالبشر ، ودعاها لترى ما بين إبراهيم وبينه من عظيم الشبه . فنظرت عائشة إلى الطفل وقالت إنها لا ترى بينهما شبها . ولما رأت النبيّ فرحا بنموّ الطفل لاحظت في غضب أن كل طفل ينال من اللبن ما يناله إبراهيم يكون مثله أو خيرا منه نموّا . وكذلك كان مولد إبراهيم سببا أثار في زوجات النبيّ امتعاضا لم يقف أثره عند هذه الإجابات الجافية بل تعدّاها إلى أكثر منها . وترك في تاريخ محمد وفي تاريخ الإسلام من الأثر ما نزل به الوحي وقدّسه كتاب اللّه الكريم . النبي ونساؤه وكان طبيعيّا أن يحدث هذا الأثر ؛ فقد جعل محمد لنسائه من المكانة ما لم يكن معروفا قط عند العرب . قال عمر بن الخطاب في حديث له : « واللّه إن كنا في الجاهليّة ما نعدّ للنساء أمرا حتى أنزل اللّه تعالى فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم . فبينما أنا في أمر آتمره إذ قالت لي امرأتي : لو صنعت كذا وكذا ! فقلت لها : ومالك أنت ولما ها هنا ، وما تكلّفك في أمر أيده ! فقالت لي : عجبا لك يا بن الخطاب ؟ ما تريد أن تراجع أنت ، وإنّ ابنتك لتراجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حتى يظلّ يومه غضبان . قال عمر : فاخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة فقلت لها : يا بنيّة ، إنك لتراجعين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حتى يظل يومه غضبان ؟ فقالت حفصة : واللّه إنّا لنراجعه . فقلت : تعلمين أني أحذّرك عقوبة اللّه وغضب رسوله . يا بنيّة لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحبّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إياها . ثم خرجت حتى أدخل على أمّ سلمة لقرابتي منها فكلّمتها ؛ فقالت لي أم سلمة : عجبا لك يا بن الخطاب ! لقد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وأزواجه ! قال عمر : فأخذتني أخذا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد ، فخرجت من عندها . وروى مسلم في صحيحه أن أبا بكر استأذن على النبي ودخل بعد أن أذن له ، ثم استأذن عمر ودخل بعد الإذن ، فوجد النبي جالسا وحوله نساؤه واجما ساكنا . فقال عمر : « لأقولن شيئا أضحك النبي صلى اللّه عليه وسلّم . ثم قال : يا رسول اللّه ، لو رأيت بنت